![]() | |||||
| | | | | | |
|
#11
| ||||
| ||||
| تحــد شُدّوا وثاقي وامنعوا عني الدفاترَ والسجائرْ وضعوا التراب على فمي فالشعر دمّ القلبِ ملحُ الخبزِ ماء العينِ يُكتبُ بالأظافرِ والمحاجرِ والخناجرْ سأقولها في غرفة التوقيفِ في الحمامِ في الإسطبلِ تحتَ السوطِ تحت القيدِ في عنف السلاسلْ مليون عصفورٍ على أغصانِ قلبي يخلقُ اللحنَ المقاتلْ
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#12
| ||||
| ||||
| "رسـالة مـن المـنفـى" تحيةً.. وقبلةً وليسَ عندي ما أقولُ بعدْ من أينَ أبتدي؟ .. وأينَ أنتهي؟ ودورةُ الزمانِ دونَ حدّ وكلُّ ما في غربتي زوّادةٌ، فيها رغيفٌ يابسٌ، ووَجدْ ودفترٌ يحملُ عنّي بعضَ ما حملتْ بصقتُ في صفحاتهِ ما ضاقَ بي من حقدْ من أينَ أبتدي؟ وكلُّ ما قيلَ وما يقالْ بعدَ غدْ لا ينتهي بضمّةٍ.. أو لمسةٍ من يدْ لا يُرجِعُ الغريبَ للديار لا يُنزلُ الأمطار لا يُنبتُ الريشَ على جناحِ طيرٍ ضائعٍ.. مُنْهَدّ من أينَ أبتدي؟ تحيةً.. وقبلةً.. وبعدْ.. -2- أقولُ للمذياع.. قلْ لها أنا بخيرْ أقولُ للعصفورِ إن صادفتَها يا طيرْ لا تنسني، وقلْ: بخيرْ أنا بخيرْ أنا بخيرْ ما زال في عينيَّ بصرْ! ما زالَ في السّما قمرْ! وثوبي العتيقُ، حتى الآنَ، ما اندثرْ تمزقت أطرافهُ لكنني رتقتهُ.. ولم يزلْ بخيرْ وصرتُ شاباً جاوزَ العشرين تصوريني.. صرتُ في العشرينْ وصرتُ كالشبابِ يا أمّاه أواجهُ الحياه وأحملُ العبءَ كما الرجالُ يحملونْ وأشتغل في مطعمٍ.. وأغسلُ الصحون وأصنعُ القهوةَ للزبونْ وألصقُ البسماتِ فوق وجهيَ الحزينْ ليفرحَ الزبونْ -3- أنا بخيرْ قد صرتُ في العشرينْ وصرتُ كالشباب يا أمّاه أدخّنُ التبغَ، وأتّكي على الجدارْ أقولُ للحلوةِ: آه كما يقولُ الآخرونْ " يا إخوتي، ما أطيبَ البنات، تصوروا كم مُرَّةٌ هيَ الحياة بدونهنَّ.. مُرّة هي الحياة ." وقالَ صاحبي: " هل عندكم رغيف؟ يا إخوتي؛ ما قيمةُ الإنسانْ إن نامَ كلَّ ليلةٍ.. جوعانْ؟ " أنا بخيرْ أنا بخيرْ عندي رغيفٌ أسمر وسلّةٌ صغيرةٌ من الخضار -4- سمعتُ في المذياعْ تحيةَ المشرّدينَ.. للمشرّدينْ قالَ الجميعُ: كلّنا بخيرْ لا أحدٌ حزينْ؛ فكيفَ حالُ والدي؟ ألمْ يزَلْ كعهدهِ، يحبُّ ذكرَ الله والأبناءَ.. والترابَ.. والزيتون؟ وكيفَ حالُ إخوتي هل أصبحوا موظفين؟ سمعتُ يوماً والدي يقولْ: سيصبحونَ كلهم معلمين… سمعتهُ يقول: (أجوعُ حتى أشتري لهم كتاب) لا أحد في قريتي يفكُّ حرفاً في خطاب وكيفَ حالُ أختنا هل كبرتْ.. وجاءها خُطّاب؟ وكيفَ حالُ جدّتي ألم تزلْ كعهدها تقعدُ عندَ البابْ؟ تدعو لنا… بالخيرِ.. والشبابِ.. والثوابْ! وكيفَ حالُ بيتنا والعتبةِ الملساء.. والوجاقِ.. والأبوابْ؟ سمعتُ في المذياعْ رسائل المشرّدينَ.. للمشردينْ جميعهم بخيرْ! لكنني حزينْ.. تكادُ أن تأكلَني الظنونْ لم يحملِ المذياعُ عنكم خبراً.. ولو حزينْ ولو حزينْ -5- الليلُ – يا أمّاهُ – ذئبٌ جائعٌ سفّاحْ يطاردُ الغريبَ أينما مضى.. ويفتحُ الآفاقَ للأشباحْ وغابةُ الصفصافِ لم تزلْ تعانقُ الرياحْ ماذا جنينا نحنُ يا أماهْ؟ حتّى نموتَ مرّتين فمرّةً نموتُ في الحياة ومرةً نموتُ عندَ الموتْ! هل تعلمينَ ما الذي يملأني بكاء؟ هَبي مرضتُ ليلةً.. وهدَّ جسمي الداء! هل يذكرُ المساءْ مهاجراً أتى هنا.. ولم يعدْ إلى الوطن؟ هل يذكر المساءْ مهاجراً ماتَ بلا كفنْ؟ يا غابةَ الصفصاف! هل ستذكرين أن الذي رَموْه تحتَ ظلّكِ الحزينْ -كأيِّ شيءٍ ميّتٍ – إنسانْ؟ هل تذكرينَ أنني إنسانْ وتفطينَ جثتي من سطوةِ الغربانْ؟ أمّاهُ يا أماه. لمن كتبتُ هذهِ الأوراق أيُّ بريدٍ ذاهبٍ يحملها؟ سُدَّت طريقُ البرِّ والبحارِ والآفاقْ.. وأنتِ يا أمّاه ووالدي، وإخوتي، والأهلُ، والرفاقْ.. لعلّكم أحياءْ لعلّكم أمواتْ لعلّكم مثلي بلا عنوانْ ما قيمةُ الإنسان بلا وطن بلا علَمْ ودونما عنوانْ ما قيمةُ الإنسانْ؟
__________________ [align=center] مضى عامانِ يا أمي وليلُ دمشقَ فلُّ دمشقَ دورُ دمشقَ تسكنُ في خواطرنا مآذنها.. تضيءُ على مراكبنا كأنَّ مآذنَ الأمويِّ.. قد زُرعت بداخلنا..[/align] |
|
#13
| ||||
| ||||
| إلى أمي أحنُّ إلى خبز أُمي وقهوة أُمي ولمسة أُمي.. وتكبرُ فيَّ الطفولةُ يومًا على صدر يومِ وأعشَقُ عمرِي لأني إذا مُتُّ، أخجل من دمع أُمي! خذيني، إذا عدتُ يومًا وشاحًا لهُدْبِكْ وغطّي عظامي بعشب تعمَّد من طهر كعبك وشُدّي وثاقي .. بخصلة شَعر .. بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك .. عساني أصيرُ إلهًا إلهًا أصير .. إذا ما لمستُ قرارة قلبك ! ضعيني، إذا ما رجعتُ وقودًا بتنور ناركْ .. وحبل غسيل على سطح دارك لأني فقدتُ الوقوفَ بدون صلاة نهارك هَرِمْتُ، فردّي نجوم الطفولة حتى أُشارك صغار العصافير درب الرجوع .. لعُش انتظارِك !
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#14
| ||||
| ||||
| سجِّل! أنا عربي ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ وأطفالي ثمانيةٌ وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ! فهلْ تغضبْ؟ سجِّلْ! أنا عربي وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ وأطفالي ثمانيةٌ أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ، والأثوابَ والدفترْ من الصخرِ ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ ولا أصغرْ أمامَ بلاطِ أعتابكْ فهل تغضب؟ سجل! أنا عربي أنا إسمٌ بلا لقبِ صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها يعيشُ بفورةِ الغضبِ جذوري... قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ وقبلَ تفتّحِ الحقبِ وقبلَ السّروِ والزيتونِ .. وقبلَ ترعرعِ العشبِ أبي.. من أسرةِ المحراثِ لا من سادةٍ نجبِ وجدّي كانَ فلاحاً بلا حسبٍ.. ولا نسبِ! يعلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ وبيتي كوخُ ناطورٍ منَ الأعوادِ والقصبِ فهل ترضيكَ منزلتي؟ أنا إسمٌ بلا لقبِ! سجل! أنا عربي ولونُ الشعرِ.. فحميٌّ ولونُ العينِ.. بنيٌّ وميزاتي: على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه وكفّي صلبةٌ كالصخرِ تخمشُ من يلامسَها وعنواني: أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ شوارعُها بلا أسماء وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ فهل تغضبْ؟ سجِّل أنا عربي سلبتَ كرومَ أجدادي وأرضاً كنتُ أفلحُها أنا وجميعُ أولادي ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي سوى هذي الصخورِ.. فهل ستأخذُها حكومتكمْ.. كما قيلا؟!! إذن! سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى أنا لا أكرهُ الناسَ ولا أسطو على أحدٍ ولكنّي.. إذا ما جعتُ آكلُ لحمَ مغتصبي حذارِ.. حذارِ.. من جوعي ومن غضبي!!
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#15
| ||||
| ||||
| بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيء باسمها أتراجَعُ عن حلمها. ووصلتُ أخيراً إلى الحُلْم. كان الخريفُ قريباً من العشب. ضاع اسمُها بيننا... فالتقينا. لم أسجلِّ تفاصيل هذا اللقاء السريع. أحاول شرحَ القصيدةِ كي أفهم الآن ذاك اللقاء السريع. هي الشيءُ أو ضدُّهُ، وانفجارات روحي هي الماءُ والنار، كنا على البحر نمشي. هي الفرقُ بيني... وبيني]. وأنا حاملُ الإسم أو شاعر الحُلْم. كان اللقاء سريعاً. أنا الفرقُ بين الأصابع والكفّ. كان الربيع قصيراً. أنا الفرقُ بين الغصون وبين الشجْر. كنتُ أحْملها، واسمُها يتضاءلُ. كانت تُسمّى خلايا دمي. كنتُ أحلْمها والتقينا أخيراً. أحاول شرح القصيدة كي أفهم الآن ماذا حدث... - يحمل الحُلْم سيفاً ويقتل شاعرةُ حين يبلغهُ – هكذا أخبرتني المدينةُ حين غفوتُ على ركبتيها لم أكن حاضراً لم أكن غائباُ كنتُ بين الحضور وبين الغيابْ حَجَراً... أو سحابهْ - تشبهين الكآبةَ قلت لها باختصار شديد تشبهين الكآبة ولكنَّ صدرك صار مظاهرة العائدين من الموتِ... ما كنتُ جنديَّ هذا المكان وثوريَّ هذا الزمان لأحمل لا فتةً، أو عصا، في الشوارعِ. كان لقائي قصيراً وكان وداعي سريعاً. وكانت تصيرُ إلى امرأةٍ عاطفيةْ فالتحمتُ بها وصارت تفاصيلها وَرَقاً في الخريفِ فلملمها عسكريُّ المرور ورتَّبها في ملف الحكومةْ وفي المتحف الوطني - تشبهين المدينةَ حين أكون غريباً قلت لها باختصار شديد تشبهين المدينةْ. هل رآك الجنود على حافَّةِ الأرض هل هربوا منكِ أم رجموكِ بقنبلة يدويةْ؟ قالتِ المرأة العاطفيَّة : كلُّ شيء يلامس جسمي يَتَحَوَّلُ أو يتشكَّلُ حتى الحجارة تغدو عصافير. قلت لها باكياً: ولماذا أنا أتشرَّدُ أو أتبدَّد بين الرياح وبين الشعوب؟ فأجابت: في الخريف تعود العصافير من حالة البحرِ - هذا هو الوقتُ - لا وقت وابتدأتْ أغنيةْ: في الخريف تعود العصافير من حالة البحر هذا هو الوقتُ، لا وقت للوقتِ هذا هو الوقتُ - ماذا تكون البقيَّةْ؟ - شبه دائرة أنت تُكلمها - أذهبُ الآن؟ - لا تذهب الآن. إنَّ الرياح على خطأ دائماَ. والمدينة أقربْ. - المدينةُ أقرب !!ُ أنتِ المدينةُ - لستُ مدينةْ أنا امرأةٌ عاطفيةْ هكذا قلتَ قبل قليلْ واكتشفتَ الدليل وأنت البقيةْ - آه، كنتُ الضحيَّةْ فكيف أكون الدليل؟ - وكنتُ أعانقها. كنت أسألها نازفاً: أ أنتِ بعيدةْ؟ - على بُعْدِ حُلْم من الآن والحُلْمُ يحمل سيفاً. ويقتل شاعره حين يبلغهُ - كيف أكمل أغنيتي والتفاصيل ضاعت. وضاع الدليل؟ - انتهتْ صورتي فابتدئ من ضياعك. أموتُ - أحبُّكِ إن ثلاثة أشياء لا تنتهي: أنتِ، والحبُّ، والموتُ قبَّلتُ خنجركِ الحلوَ ثم احتميتُ بكفَّيكِ أنْ تقتليني وأن توقفيني عن الموتِ هذا هو الحب. إني أحبُّك حين أموت وحين أحبُّكِِ أشعر أني أموتُ فكوني امرأةْ وكوني مدينة ولكن، لماذا سقطتِ، لماذا احترقتِ بلا سَبَبٍ؟ ولماذا ترهّلت في خيمة بدويَّةْ؟ - لأنكَ كنتَ تمارس موتاً بدون شهيَّةْ وأضافت، كأنَّ القَدَرْ يتكسَّرُ في صوتها: هل رأيت المدينة َتذهبُ أم كنتَ أنت الذي يتدحرج من شرفة اللّهِ قافلةً من سبايا؟ هل رأيتَ المدينةَ تهربُ أم كنتَ أنت الذي يحتمي بالزوايا المدينةُ لا تسقطُ، الناس تسقط ! ورويداً... رويداً تفتَّت وجهُ المدينةْ لم نحوِّل حصاها إلى لُغَةٍ لم نُسَيِّجْ شوارعها لم ندافع عن البابِ لم ينضج الموتُ فينا. كانت الذكرياتُ مقراً لحكام ثورتها السابقة ومرَّ ثلاثون عاماً وألف خريف وخمس حروب وجئتُ المدينة منهزماً من جديد كان سورُ المدينة يُشبهني وقلتُ لها: سأحاول حُبّكِ... لا أذكر الآن شكل المدينةِ لا أذكرُ اسمي ينادونني حَسَبَ الطقس والأمْزجةْ لقد سقط اسمي بين تفاصيل تلك المدينةِ لملمه عسكريُّ المرور ورتّبه في ملف الحكومةْ - تشبهين الهويَّة حين أكون غريباً تشبهين الهويَّة. - ليس قلبي قرنفلةً ليس جسمي حقلاً - ما تكونين؟ هل أنت أحلى النساء وأحلى المدنْ - للذي يتناسل فوق السفنْ وأضافت: بين شوك الجبال وبين أماسي الهزائم كان مخاضي عسيراً - وهل عذَّبوكِ لأجلي؟ - عذَّبوك لأجلي - هل عرفتِ الندمْ؟ - النساء – المدن قادراتٌ على الحبِّ، هل أنتَ قادر؟ - أحاول حبَّك لكنّ كل السلاسل تلتفُّ حول ذراعيَّ حين أحاول... هل تخونينني؟ - حين تأتي إليّ - هل تموتين قبلي؟ سألتكِ : مُوتي! - أيجديكَ مَوْتي! - أصيرُ طليقاً لأن نوافذ حُبّي عبوديَّةٌ والمقابر ليست تثير اهتمام أحَدْ وحين تموتين أكمل موتي. بين حُلْمي وبين اسمِهِ كان موتي بطيئاً بطيئاً. أموت – أحبُّكِ إن ثلاثة أشياء لا تنتهي أنتِ، والحبُّ، والموتُ أن تقتليني وأن توقفيني عن الموتِ. هذا هو الحبّ ... وانتهتْ رحلتي فابتدأتْ وهذا هو الوقتُ: ألا يكون لشكلكِ وقتُ. لم تكوني مدينةْ الشوارعُ كانت قُبَلْ وكان الحوار نزيفاً وكان الجبلْ عسكرياً. وكان الصنوبر خنجرْ. ولا امرأةً كنتِ كانت ذراعاكِ نهرين من جُثَثٍ وسنابلْ وكان جبينُكِ بيد رْ وعيناكِ نار القبائلْ وكنتُ أنا من مواليد عام الخروج ونسل السلاسلْ. يحملُ الحلمُ سيفاً، ويقتل شاعرَهُ حين يبلغهُ - هكذا أخبرتني المدينة حين غفوتُ على ركبتيها لم أكن غائباً لم أكن حاضراً كنتُ مختفياً بالقصيدةْ، إذا انفجرت من دمائي قصيدةْ تصير المدينةُ ورداً، كنتُ أمتشق الحُلْمَ من ضلعها وأحارب نفسي كنتُ أعلى يأسي على صدرها، فتصير امرأةْ كنتُ أعلن حبي على صدرها، فتصير مدينةْ كنتُ أعلن أنَّ رحيلي قريب وأنَّ الرياح وأنَّ الشعوب تتعاطى جراحي حبوباً لمنع الحروب. بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئاً باسمها أتراجع عن حُلمها. ووصلتُ وكان الخريف قريباً من العشب. ضاع اسمها بيننا... فالتقينا. لم أسجّل تفاصيل هذا اللقاء السريع أحاول شرح القصيدةْ لأغلق دائرة الجرح والزنبقةْ وأفتح جسر العلاقة بين الولادة والمشنقةْ أحاول شرح القصيدةْ لأفهم ذاك اللقاء السريع أحاول أحاول... أحاول!
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#16
| ||||
| ||||
| العصافير تموت في الجليل عصافير الجليل نلتقي بعد قليل بعد عام بعد عامين وجيلْ... ورَمَتْ في آلة التصوير عشرين حديقةْ وعصافيرَ الجليل. ومضتْ تبحث، خلف البحر، عن معنى جديد للحقيقة. - وطني حبل غسيل لمناديل الدم المسفوك في كل دقيقةْ وتمددتُ على الشاطئ رملاً... ونخيلْ. هِيَ لا تعرف- يا ريتا! وهبناكِ أنا والموتُ سِر الفرح الذابل في باب الجماركْ وتجدَّدنا، أنا والموت، في جبهتك الأولى وفي شبّاك دارك. وأنا والموت وجهان- لماذا تهربين الآنَّ من وجهي لماذا تهربين؟ ولماذا تهربين الآن ممّا يجعل القمح رموشَ الأرض، ممّا يجعل البركان وجهاً آخراً للياسمين؟... ولماذا تهربينْ ؟... كان لا يتعبني في الليل إلا صمتها حين يمتدُّ أمام الباب كالشارع... كالحيِّ القديمْ ليكن ما شئت - يا ريتا – يكون الصمتُ فأساً أو براويز نجوم أو مناخاً لمخاض الشجرةْ. إنني أرتشف القُبلَة من حدِّ السكاكين، تعالي ننتمي للمجزرةْ !... سقطت كالوَرَق الزائد أسرابُ العصافير بآبار الزمنْ... وأنا أنتشل الأجنحة الزرقاء يا ريتا، أنا شاهدةُ القبر الذي يكبرُ يا ريتا، أنا مَنْ تحفر الأغلالُ في جلديَ شكلاً للوطنْ...
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#17
| ||||
| ||||
| مازال في صحونكم..بقية عسل.. ردوا الذباب عن صحونكم.. لتحفظوا العسل.. مازال في كرومكم..عناقيد من العنب.. ردوا بنات آوى..يا حارسي الكروم.. لينضج العنب.. مازال في بيوتكم..حصيرة وباب.. سدوا طريق الريح..عن صغاركم.. ليرقد الاطفال.. الريح بارد قارس..فلتغلقوا الابواب.. مازال في قلوبكم دماء.. لا تسفحوها ايها الآباء.. فان في احشائكم..جنين.. مازال في موقدكم.. حطب..وقهوة.. وحزمة من اللهب...
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
|
#18
| |||
| |||
| هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت، قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ، نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُرَبِّي الأملْ. بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً، لأَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر: لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة. أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَ في حلكة الأَقبية. هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً... سيمتدُّ هذا الحصارُ إلى أن نعلِّم أَعداءنا نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ. اَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحى بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُ فظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ. هنا، لا أَنا هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُ... يقولُ على حافَّة الموت: لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ: حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي. سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي، وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن، وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ... في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ بين تذكُّرِ أَوَّلها. ونسيانِ آخرِها. هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت، لا وَقْتَ للوقت. نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله: ننسي الأَلمْ. الألمْ هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيل صباحاً، وأنْ تكتفي بنظافة هذا العَلَمْ. لا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا. فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها. لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌ يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْ يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْ بمنظار دبّابةٍ... نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ. أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا، واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ فقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا. أَيها الواقفون على عتبات البيوت! اُخرجوا من صباحاتنا، نطمئنَّ إلى أَننا بَشَرٌ مثلكُمْ! نَجِدُ الوقتَ للتسليةْ: نلعبُ النردَ، أَو نَتَصَفّح أَخبارَنا في جرائدِ أَمسِ الجريحِ، ونقرأ زاويةَ الحظِّ: في عامِ أَلفينِ واثنينِ تبتسم الكاميرا لمواليد بُرْجِ الحصار. كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له: ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْ وتعالَ غداً ! أُفكِّر، من دون جدوى: بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَ على قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ، وفي هذه اللحظة العابرةْ؟ فتوجعنُي الخاطرةْ وتنتعشُ الذاكرةْ عندما تختفي الطائراتُ تطيرُ الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماء بأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَ الجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُ الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ. ليت السماءَ حقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتين الوميضُ، البصيرةُ، والبرقُ قَيْدَ التَشَابُهِ... عمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذا هو الوحيُ... أو يعرف الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَ مَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرها إلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامي بملعَقةِ الشايِ أَو بفخِاخ الطيور! يحاصرني في المنام كلامي كلامي الذي لم أَقُلْهُ، ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي شَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحمي السماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديد جنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـ والنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ في شارعٍ واسعٍ كالكنيسة بعد صلاة الأَحد... نحبُّ الحياةَ غداً عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة كما هي، عاديّةً ماكرةْ رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ! قال لي كاتبٌ ساخرٌ: لو عرفتُ النهاية، منذ البدايةَ، لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْ إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْ إلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً، إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ: قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار، فيكبر طفلاً معافي، ويدرُسُ في معهدٍ واحد مع إحدى بناتكَ تارِيخَ آسيا القديمَ. وقد يقعان معاً في شِباك الغرام. وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ). ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟ صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً، والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟ فماذا فَعَلْتَ بأُسرتكَ الشاردةْ وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟ لم تكن هذه القافيةْ ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْ ولا لاقتصاد الأَلمْ إنها زائدةْ كذبابٍ على المائدةْ الضبابُ ظلامٌ، ظلامٌ كثيفُ البياض تقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة. الحصارُ هُوَ الانتظار هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ لولا زياراتُ قَوْسِ قُزَحْ لنا اخوةٌ خلف هذا المدى. اخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون. ثم يقولون في سرِّهم: ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ: لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا. خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ. وعَشْرَةُ جرحى. وعشرون بيتاً. وخمسون زيتونةً... بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ في الطريق المُضَاء بقنديل منفي أَرى خيمةً في مهبِّ الجهاتْ: الجنوبُ عَصِيٌّ على الريح، والشرقُ غَرْبٌ تَصوَّفَ، والغربُ هُدْنَةُ قتلي يَسُكُّون نَقْدَ السلام، وأَمَّا الشمال، الشمال البعيد فليس بجغرافيا أَو جِهَةْ إنه مَجْمَعُ الآلهةْ قالت امرأة للسحابة: غطِّي حبيبي فإنَّ ثيابي مُبَلَّلةٌ بدَمِهْ إذا لم تَكُنْ مَطَراً يا حبيبي فكُنْ شجراً مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا وإنْ لم تَكُنْ شجراً يا حبيبي فكُنْ حجراً مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرا وإن لم تَكُنْ حجراً يا حبيبي فكن قمراً في منام الحبيبة، كُنْ قَمرا هكذا قالت امرأةٌ لابنها في جنازته
__________________ ها هُو يعود بعد غيابٍ طويل. غيرَ أنّه انتبه فجأة إلى أنّ العودة بعد الغيابِ، كثيراً ما تكون غياباًَ آخر.! |
|
#19
| |||
| |||
| أيَّها الساهرون ! أَلم تتعبوا من مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحنا ومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحنا أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟ واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا. ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون. ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء: علي صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط). ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام). ومختلفون علي واجبات النساء (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ). مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص، مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكون ... ومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ. قال لي في الطريق إلى سجنه: عندما أَتحرّرُ أَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْ كهجاء الوطنْ مِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ ! قَليلٌ من المُطْلَق الأزرقِ اللا نهائيِّ يكفي لتخفيف وَطْأَة هذا الزمانْ وتنظيف حَمأةِ هذا المكان على الروح أَن تترجَّلْ وتمشي على قَدَمَيْها الحريريّتينِ إلى جانبي، ويداً بيد، هكذا صاحِبَيْن قديمين يقتسمانِ الرغيفَ القديم وكأسَ النبيذِ القديم لنقطع هذا الطريق معاً ثم تذهب أَيَّامُنا في اتجاهَيْنِ مُخْتَلِفَينْ: أَنا ما وراءَ الطبيعةِ. أَمَّا هِيَ فتختار أَن تجلس القرفصاء على صخرة عاليةْ إلى شاعرٍ: كُلَّما غابَ عنك الغيابْ تورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْ فكن ذاتَ موضوعك التائهةْ و موضوع ذاتكَ. كُنْ حاضراً في الغيابْ يَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ: هاتفي لا يرنُّ ولا جَرَسُ الباب أيضاً يرنُّ فكيف تيقَّنتِ من أَنني لم أكن ههنا ! يَجدُ الوَقْتَ للأغْنيَةْ: في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ. لا أَستطيعُ قراءةَ دوستويفسكي ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما. في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسار... إلي زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ. في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ. يَقُولُ لها: أَيّ زهرٍ تُحبِّينَهُ فتقولُ: القُرُنْفُلُ .. أَسودْ يقول: إلى أَين تمضين بي، والقرنفل أَسودْ ؟ تقول: إلى بُؤرة الضوءِ في داخلي وتقولُ: وأَبْعَدَ ... أَبْعدَ ... أَبْعَدْ سيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر، أَن الضَجَرْ صِفَةٌ من صفات البشرْ. لا أُحبُّكَ، لا أكرهُكْ ـ قال مُعْتَقَلٌ للمحقّق: قلبي مليء بما ليس يَعْنيك. قلبي يفيض برائحة المَرْيَميّةِ. قلبي بريء مضيء مليء، ولا وقت في القلب للامتحان. بلى، لا أُحبُّكَ. مَنْ أَنت حتَّى أُحبَّك؟ هل أَنت بعضُ أَنايَ، وموعدُ شاي، وبُحَّة ناي، وأُغنيّةٌ كي أُحبَّك؟ لكنني أكرهُ الاعتقالَ ولا أَكرهُكْ هكذا قال مُعْتَقَلٌ للمحقّقِ: عاطفتي لا تَخُصُّكَ. عاطفتي هي ليلي الخُصُوصيُّ... ليلي الذي يتحرَّكُ بين الوسائد حُرّاً من الوزن والقافيةْ ! جَلَسْنَا بعيدينَ عن مصائرنا كطيورٍ تؤثِّثُ أَعشاشها في ثُقُوب التماثيل، أَو في المداخن، أو في الخيام التي نُصِبَتْ في طريق الأمير إلي رحلة الصَيّدْ... على طَلَلي ينبتُ الظلُّ أَخضرَ، والذئبُ يغفو علي شَعْر شاتي ويحلُمُ مثلي، ومثلَ الملاكْ بأنَّ الحياةَ هنا ... لا هناكْ الأساطير ترفُضُ تَعْديلَ حَبْكَتها رُبَّما مَسَّها خَلَلٌ طارئٌ ربما جَنَحَتْ سُفُنٌ نحو يابسةٍ غيرِ مأهولةٍ، فأصيبَ الخياليُّ بالواقعيِّ، ولكنها لا تغيِّرُ حبكتها. كُلَّما وَجَدَتْ واقعاً لا يُلائمها عدَّلَتْهُ بجرَّافة. فالحقيقةُ جاريةُ النصِّ، حَسْناءُ، بيضاءُ من غير سوء ... إلي شبه مستشرق: ليكُنْ ما تَظُنُّ. لنَفْتَرِضِ الآن أَني غبيٌّ، غبيٌّ، غبيٌّ. ولا أَلعبُ الجولف. لا أَفهمُ التكنولوجيا، ولا أَستطيعُ قيادةَ طيّارةٍ! أَلهذا أَخَذْتَ حياتي لتصنَعَ منها حياتَكَ؟ لو كُنْتَ غيرَكَ، لو كنتُ غيري، لكُنَّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء. أَما للغبيّ، كما لليهوديّ في تاجر البُنْدُقيَّة قلبٌ، وخبزٌ، وعينان تغرورقان؟ في الحصار، يصير الزمانُ مكاناً تحجَّرَ في أَبَدِهْ في الحصار، يصير المكانُ زماناً تخلَّف عن أَمسه وَغدِهْ هذه الأرضُ واطئةٌ، عاليةْ أَو مُقَدَّسَةٌ، زانيةْ لا نُبالي كثيراً بسحر الصفات فقد يُصْبِحُ الفرجُ، فَرْجُ السماواتِ، جغْرافيةْ ! أَلشهيدُ يُحاصرُني كُلَّما عِشْتُ يوماً جديداً ويسألني: أَين كُنْت ؟ أَعِدْ للقواميس كُلَّ الكلام الذي كُنْتَ أَهْدَيْتَنِيه، وخفِّفْ عن النائمين طنين الصدى الشهيدُ يُعَلِّمني: لا جماليَّ خارجَ حريتي. الشهيدُ يُوَضِّحُ لي: لم أفتِّشْ وراء المدى عن عذارى الخلود، فإني أُحبُّ الحياةَ علي الأرض، بين الصُنَوْبرِ والتين، لكنني ما استطعتُ إليها سبيلاً، ففتَّشْتُ عنها بآخر ما أملكُ: الدمِ في جَسَدِ اللازوردْ. الشهيدُ يُحاصِرُني: لا تَسِرْ في الجنازة إلاّ إذا كُنْتَ تعرفني. لا أُريد مجاملةً من أَحَدْ. الشهيد يُحَذِّرُني: لا تُصَدِّقْ زغاريدهُنَّ. وصدّق أَبي حين ينظر في صورتي باكياً: كيف بدَّلْتَ أدوارنا يا بُنيّ، وسِرْتَ أَمامي. أنا أوّلاً، وأنا أوّلاً ! الشهيدُ يُحَاصرني: لم أُغيِّرْ سوى موقعي وأَثاثي الفقيرِ. وَضَعْتُ غزالاً على مخدعي، وهلالاً على إصبعي، كي أُخفِّف من وَجَعي ! سيمتدُّ هذا الحصار ليقنعنا باختيار عبوديّة لا تضرّ، ولكن بحريَّة كاملة!!. أَن تُقَاوِم يعني: التأكُّدَ من صحّة القلب والخُصْيَتَيْن، ومن دائكَ المتأصِّلِ: داءِ الأملْ. وفي ما تبقَّى من الفجر أَمشي إلى خارجي وفي ما تبقّى من الليل أسمع وقع الخطي داخلي. سلامٌ على مَنْ يُشَاطرُني الانتباهَ إلي نشوة الضوءِ، ضوءِ الفراشةِ، في ليل هذا النَفَقْ. سلامٌ على مَنْ يُقَاسمُني قَدَحي في كثافة ليلٍ يفيض من المقعدين: سلامٌ على شَبَحي. إلي قارئ: لا تَثِقْ بالقصيدةِ ـ بنتِ الغياب. فلا هي حَدْسٌ، ولا هي فِكْرٌ، ولكنَّها حاسَّةُ الهاويةْ. إذا مرض الحبُّ عالجتُهُ بالرياضة والسُخْريةْ وَبفصْلِ المُغنِّي عن الأغنيةْ أَصدقائي يُعدُّون لي دائماً حفلةً للوداع، وقبراً مريحاً يُظَلِّلهُ السنديانُ وشاهدةً من رخام الزمن فأسبقهم دائماً في الجنازة: مَنْ مات.. مَنْ ؟ الحصارُ يُحَوِّلني من مُغَنٍّ الى . . . وَتَرٍ سادس في الكمانْ! الشهيدةُ بنتُ الشهيدةِ بنتُ الشهيد وأختُ الشهيدِ وأختُ الشهيدةِ كنَّةُ أمِّ الشهيدِ حفيدةُ جدٍّ شهيد وجارةُ عمِّ الشهيد الخ ... الخ .. ولا نبأ يزعج العالَمَ المتمدِّن، فالزَمَنُ البربريُّ انتهى. والضحيَّةُ مجهولَةُ الاسم، عاديّةٌ، والضحيَّةُ ـ مثل الحقيقة ـ نسبيَّةٌ الخ ... الخ هدوءاً، هدوءاً، فإن الجنود يريدون في هذه الساعة الاستماع إلي الأغنيات التي استمع الشهداءُ إليها، وظلَّت كرائحة البُنّ في دمهم، طازجة. هدنة، هدنة لاختبار التعاليم: هل تصلُحُ الطائراتُ محاريثَ ؟ قلنا لهم: هدنة، هدنة لامتحان النوايا، فقد يتسرَّبُ شيءٌ من السِلْم للنفس. عندئذٍ نتباري على حُبِّ أشيائنا بوسائلَ شعريّةٍ. فأجابوا: ألا تعلمون بأن السلام مع النَفْس يفتح أبوابَ قلعتنا لِمقَامِ الحجاز أو النَهَوَنْد ؟ فقلنا: وماذا ؟ ... وَبعْد ؟ الكتابةُ جَرْوٌ صغيرٌ يَعَضُّ العَدَمْ الكتابةُ تجرَحُ من دون دَمْ.. فناجينُ قهوتنا. والعصافيرُ والشَجَرُ الأخضرُ الأزرقُ الظلِّ. والشمسُ تقفز من حائط نحو آخرَ مثل الغزالة. والماءُ في السُحُب اللانهائية الشكل في ما تبقَّي لنا من سماء. وأشياءُ أخرى مؤجَّلَةُ الذكريات تدلُّ على أن هذا الصباح قويّ بهيّ، وأَنَّا ضيوف على الأبديّةْ.
__________________ ها هُو يعود بعد غيابٍ طويل. غيرَ أنّه انتبه فجأة إلى أنّ العودة بعد الغيابِ، كثيراً ما تكون غياباًَ آخر.! آخر تعديل بواسطة telkallatikanat ، 16-06-2005 الساعة 02:01 AM |
|
#20
| ||||
| ||||
| عابرون في كلام عابر أيها المارون بين الكلمات العابره احملوا أسماءكم، وانصرفوا واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكره وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا أنكم لن تعرفوا كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء أيها المارون بين الكلمات العابره منكم السيف - ومنا دمنا منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا منكم دبابة أخرى - ومنا حجر منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر وعلينا ما عليكم من سماء وهواء فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء.. وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء! أيها المارون بين الكلمات العابره كالغبار المر، مروا أينما شئتم ولكن لا تمروا بيننا كالحشرات الطائره فلنا في أرضنا ما نعمل ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا ولنا ما ليس يرضيكم هنا: حجر.. أو خجل فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحف وأعيدوا الهيكل العظمى للهدهد، إن شئتم، على صحن خزف. فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل أيها المارون بين الكلمات العابره كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس أو إلى توقيت موسيقى مسدس! فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا ولنا ما ليس فيكم، وطن ينزف شعبا ينزف وطنا يصلح للنسيان أو للذاكره.. أيها المارون بين الكلمات العابره، آن أن تنصرفوا وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا فلنا في أرضنا ما نعمل ولنا الماضي هنا ولنا صوت الحياة الأول ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل ولنا الدنيا هنا... والآخره فاخرجوا من أرضنا من برنا.. من بحرنا من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا من كل شيء، واخرجوا من ذكريات الذاكره أيها المارون بين الكلمات العابره
__________________ هواياتي صغيرة واهتماتي صغيرة وطموحي انا امشي............. ساعات معك تحت المطر |
![]() |
| Bookmarks |
| Tags |
| لمحمود, محمود, الأعمال, الكاملة, درويش |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| خيارات الموضوع | |
|
|
مواضيع مشابهة | ||||
| الموضوع | الكاتب | القسم | الردود | آخر مشاركة |
| محمود عباس | هتون | سـيــــــــرة وانبـــحتـت | 9 | 12-01-2005 07:32 PM |
| الشاعر الفلسطيني توفيق زياد | nova | كان يا مكان | 0 | 05-01-2005 03:08 AM |
| |
| اشترك بالنشرة البريدية للمواضيع : |
| زيارة هذه المجموعة |